فخر الدين الرازي
103
تفسير الرازي
سورة قريش وهي أربع آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( لإِيلَافِ قُرَيْشٍ ) * . * ( لإيلاف قريش إيلافهم اعلم أن ههنا مسائل : المسألة الأولى : اللام في قوله : * ( لإيلاف ) * تحتمل وجوهاً ثلاثة ، فإنها إما أن تكون متعلقة بالسورة التي قبلها أو بالآية التي بعدها ، أولاً تكون متعلقة لا بما قبلها ، ولا بما بعدها أما الوجه الأول : وهو أن تكون متعلقة بما قبلها ، ففيه احتمالات : الأول : وهو قول الزجاج وأبي عبيدة أن التقدير : * ( فجعلهم كعصف مأكول ) * لإلف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش ، وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف ، فإن قيل : هذا ضعيف لأنهم إنما جعلوا : * ( كعصف مأكول ) * لكفرهم ولم يجعلوا كذلك لتأليف قريش ، قلنا هذا السؤال ضعيف لوجوه أحدها : أنا لا نسلم أن الله تعالى إنما فعل بهم ذلك لكفرهم ، فإن الجزاء على الكفر مؤخر للقيامة ، قال تعالى : * ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) * وقال : * ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) * ولأنه تعالى لو فعل بهم ذلك لكفرهم ، لكان قد فعل ذلك بجميع الكفار ، بل إنما فعل ذلك بهم : * ( لإيلاف قريش ) * ولتعظيم منصبهم وإظهار قدرهم وثانيها : هب أن زجرهم عن الكفر مقصود لكن لا ينافي كون شيء آخر مقصود حتى يكون الحكم واقعاً بمجموع الأمرين معاً وثالثها : هب أنهم أهلكوا لكفرهم فقط ، إلا أن ذلك الإهلاك لما أدى إلى إيلاف قريش ، جاز أن يقال : أهلكوا لإيلاف قريش ، كقوله تعالى : * ( ليكون لهم عدواً وحزناً ) * وهم لم يلتقطوه لذلك ، لكن لما آل الأمر إليه حسن أن يمهد عليه الالتقاط . الاحتمال الثاني : أن يكون التقدير : * ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، لإيلاف قريش ) * كأنه تعالى قال : كل ما فعلنا بهم فقد فعلناه ، لإيلاف قريش ، فإنه تعالى جعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ، حتى صاروا كعصف مأكول ، فكل ذلك إنما كان لأجل إيلاف قريش .